السيد محمد باقر الصدر

27

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

القرآن آية آية . إذن الاتّجاه الموضوعي هو الذي سيطر على الساحة الفقهية ، بينما الاتّجاه التجزيئي هو الذي سيطر على الساحة القرآنية . وأمّا ما ظهر على الصعيد القرآني من دراسات تسمّى بالتفسير الموضوعي أحياناً من قبيل دراسات بعض المفسّرين حول موضوعات معيّنة تتعلّق بالقرآن الكريم - كأسباب النزول أو القراءات أو الناسخ والمنسوخ أو مجازات القرآن - فليست من التفسير التوحيدي والموضوعي بالمعنى الذي نريده ، فإنّ هذه الدراسات ليست في الحقيقة إلّاتجميعاً عددياً لقضايا من التفسير التجزيئي لوحظ فيما بينها شيء من التشابه . وفي كلمة أخرى ليست كلّ عمليّة تجميع أو عزل دراسة موضوعيّة ، وإنّما الدراسة الموضوعية هي التي تطرح موضوعاً من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية وتتّجه إلى درسه وتقييمه من زاوية قرآنية للخروج بنظرية قرآنية بصدده . وأكثر ظنّي أنّ الاتّجاه التوحيدي والموضوعي في الفقه بامتداده وانتشاره ساعد بدرجة كبيرة على تطوير الفكر الفقهي وإثراء الدراسات العلمية في هذا المجال ، بقدر ما ساعد انتشار الاتّجاه التجزيئي في التفسير على إعاقة الفكر الإسلامي القرآني عن النمو المستمرّ ، وساعد على اكتسابه حالة تشبه الحالات التكرارية حتى نكاد نقول : إنّ قروناً من الزمن متراكمة مرّت بعد تفاسير الطبري والرازي والشيخ الطوسي لم يحقّق فيها الفكر الإسلامي مكاسب حقيقية جديدة ، وظلّ التفسير ثابتاً لا يتغيّر إلّاقليلًا خلال تلك القرون على الرغم من ألوان التغيّر التي حفلت بها الحياة في مختلف الميادين ، وسوف يتّضح إن شاء اللَّه تعالى من خلال المقارنة بين الاتّجاهين - الاتّجاه التجزيئي والاتّجاه التوحيدي - السبب والسّر الذي يكمن وراء هذه الظاهرة .